الزمن الجميل كان في الواقع جميلًا
يطيب لكثر أن يسخروا من إطلاق عبارة "الزمن الجميل" على مرحلة ترافقت مع ما بعد استقلال لبنان وولدت فيها الفنون على أنواعها والآداب بمختلف مدارسها. وأكثرمن يرفض هذه التسمية اليساريّون عمومًا ومن يدور في فلكهم والعروبيّون بشكل عام ومن يدين بولائهم. وقد يُفهم هذا الرفض إن نظرنا إلى غياب الريف والجبل وسائر المناطق المحرومة من أدنى مقوّمات الدولة، فلم يعرف سكّان هذه المناطق من الزمن الجميل سوى ما نقلته الإذاعة اللبنانيّة أو التلفزيون عند من يملكهما.
ولكن من هم صانعو هذا الزمن الجميل؟ هل أجرؤ وأقول إنّهم المسيحيّون، أو على الأقل مسيحّيو المدينة وما يحيط بها، لذلك تزداد حدّة الرفض عند طوائف أخرى تتهرّب من الاعتراف بدور الروّاد في مختلف المجالات؟ وكيف نكتب تاريخ لبنان الحضاريّ إن تنكّرنا لهذا الماضي الذي، وبإمكانات بسيطة، صنع زمنًا جميلًا قبل أن ينكفئ دور المسيحيّين فيه بسبب الحرب والهجرة ونزوح أهل الجنوب والقرى الذين صنعوا زمنًا نحتاج إلى وقت كي نعطيه صفة شاملة لا تكتفي بتسمية "شعراء الجنوب".
صفة الجمال التي أعطيت لذلك الزمن تقاس بما قبله أي عصر الانحطاط ثمّ الانتداب، وبما بعده أي مرحلة الحرب. فمن هم صانعو هذا الزمن الذين تكوكبوا في العاصمة بيروت حتّى صارت قبلة الباحثين عن حريّة التعبير من لبنان ومن الدول العربيّة؟
مجلّة شعر (يوسف الخال، أنسي الحاج، لور غريّب، فؤاد رفقة، ..) وجريدة النهار (غسّان تويني، لويس الحاج، إميل خوري، فرنسوا عقل، أنسي الحاج، شوقي أبي شقرا، مي منسى، نزيه خاطر...)، وسعيد فريحة ودار الصياد، وكثر سواهم أشرفوا على الصحف والمجّلات وكتبوا فيها، سعيد عقل والياس أبو شبكة وصلاح لبكي وبول شاوول... عدا شعراء الرابطة القلميّة وعصبة الأندلس...
في الغناء والموسيقى: فيروز والأخوين رحباني، صباح، الياس الرحباني، وديع الصافي، روميو لحّود، سلوى القطريب، زكي ناصيف، زياد الرحباني، هدى حدّاد، وليد غلمية، سميرة توفيق، عصام رجّي، سمير يزبك، جوزف عازار، مجدلى، فدوى عبيد، ماري بشارة، ماري عطايا، إيليا بيضا، سعاد الهاشم، وليد عقل، حليم الرومي...
في المسرح: منير أبو دبس، أنطوان ولطيفة ملتقى، ريمون جبارة، رضى خوري، نضال الأشقر، يعقوب الشدراوي، أنطوان كرباج، رفعت طربيه، كميل سلامة، فارس يواكيم، عصام محفوظ...
في التأليف والإخراج التلفزيونيّين: أنطوان عندور، يوسف حبشي الأشقر، أنطوان ريمي، إيلي سعادة، باسم نصر...
في تقديم البرامج: رياض شرارة، نجيب حنكش، شارلوت وازن الخوري، جاندارك فيّاض، كابي لطيف...
في الرقص: جورجيت جبارة، وديعة حدّاد جرّار وزوجها مروان، فرقة الأنوار، كيغام، آلان مرعب، نادية جمال...
في الزجل: فرقة خليل روكز، فرقة شحرور الوادي، فرقة زغلول الدامور، فرقة موسى زغيب...(نلاحظ غياب شعراء من الطائفة السنيّة في تلك المرحلة لكون الزجل لم ينزل إلى الساحل وانحصر في الجبل مع المسيحيّين والشيعة الدروز واقتضى العُرف أن يكون رئيس الجوقة مسيحيًّا).
أمّا في فنّ التمثيل فالمواهب أكثر من تحصى...وكذلك في الفنون التشكيليّة والشعر والأدب.
لا تعني هذه العيّنة من الأسماء تغييب أسماء أخرى كنصري شمس الدين ومحمّد مرعي وشوشو وصبري الشريف وعبد الرحمن الباشا ونجاح سلام وزين شعيب وطليع حمدان ومحمد شامل وصلاح تيزاني (أبو سليم) وفرقته، وغيرهم. لكنْ ثمّة بيئة وظروف وعوامل ساهمت ضمن المجتمع المسيحيّ في احتضان هذه الفنون.
العامل الأوّل: فصل الدين عن الحركة الثقافيّة وإن كانت الكنيسة، خصوصًا المارونيّة عمدت إلى تعليم الموسيقى كما حصل مع الأخوين رحباني اللذين تتلمذا على يد الراهب بولس الأشقر. فضلًا عن أنّ الكنيسة المارونيّة تطعّم ألحانها وتجدّد فيها، على عكس ما عليه الأمر في الكنيسة الأرثوذكسيّة. لذلك نلاحظ أنّ عددًا من المغنّيات والمغنّين كانوا في فرق تراتيل قبل أن ينتقلوا إلى الغناء.
العامل الثاني: جوّ الحرية الذي أتاحه المجتمع المسيحيّ في المدن ما سمح لذوي المواهب بالانطلاق والنجاح.
العامل الثالث: جوّ المدينة وخصوصًا الريف الساحليّ المشرف على المدينة، حيث تفاعلت الفنون والآداب مع بعضها فأنتجت جوًّا ثقافيًّا ساهم في نشوء النهضة. في حين بقيت الأطراف بمعزل عن هذه الحركة النهضويّة.
العامل الرابع: معرفة اللغات الأجنبيّة والتأثّر بأساليب التعبير فيها خصوصًا في الشعر والمسرح، وكان للانتداب ثمّ للإرساليّات دور في ذلك.
العامل الخامس: استيعاب تجارب عربيّة وأجنبيّة ولبننتها في محاولة لتجديد الحركة الشعريّة في مرحلة أولى، والفنيّة عمومًا في مرحلة ثانية.
العامل السادس: الجرأة على التجديد والتحديث بمعزل عن عروبة كانت تحاول إثبات وجودها في مجالات رديفة مع تمسّكها بتراث ذي طابع محدّد لا يمكنها الابتعاد عنه.
العامل السابع: المهرجانات الفنيّة في بعلبك والأرز وجبيل. وهي مناسبات احتكّ فيها المحلّي بالعالميّ. وكانت تلك الاحتفالات مناسبة للبننة من كانوا من أصول فلسطينيّة أو سوريّة.
العامل الثامن: المسلسلات التلفزيونيّة التي أنتجها تلفزيون لبنان، فاكتسحت البلدان العربيّة بلغتها الفصحى أوّلًا ثمّ بقيمتها الفنيّة ونجومها ومواضيعها؛ وهي لا تزال حتّى اليوم تثير حنين المشاهدين إليها.
العامل التاسع: الإذاعة اللبنانيّة التي كانت حريصة على المستوى الفنيّ الراقي، فتدقّق بكلّ كلمة أو لحن أو صوت قبل أن تسمح بوصول إنتاجها إلى مسامع الجمهور.
هذا كلّه لا يهمّش دور غير المسيحيّين المدينيّين (من مدينة)، لكنّ الهدف الإضاءة على بيئة تميّزت بمسارحها ومقاهيها ومراكز صحفها ومجلّاتها كي يولد زمن سنقول عنه لاحقًا "الزمن الجميل"، ولولا الحرب والنزوح إلى المدينة وضواحيها من الجبال والأرياف وتوزّع الجامعة اللبنانيّة إلى فروع تجعل العلم والثقافة في متناول الجميع ولاحقًا انتشار وسائل التواصل الاجتماعيّ، لغابت عنّا مواهب وقدرات غيّبها تقصير الدولة وطمرتها مركزيّة جعلت بيروت محور الحركة الثقافيّة. ولكن حاليًا وبرغم ضخامة الإنتاج ووسائل الإعلام والتواصل لماذا لم يستطع هذا الزمن أن ينافس "الزمن الجميل"؟
نعم، الزمن الجميل كان جميلًا وذا طابع متنوّع مليء بالفرح والحياة والغنى. كان يعرف أنّه يحدث ثورة ثقافيّة لكنّه لم يعرف أنّه جميل إلّا حين اكتسحته البشاعة وأنهت دوره، لولا إطلالة من هنا، وعمل عابر من هناك، لا يكفيان لنعطي صفة الجمال لزمن لا يزال ينتظر صفة تضعه في سجّل أزمنة الفنون والآداب.
بلى كان الزمان الأدبيّ والثقافيّ جميلًا لأنّنا كنّا وما زلنا في حاجة إلى البحث والتدقيق لكي نعرف طائفة هذا من طائفة ذاك، لأنّ الأمر في الأساس لم يكن في وارد تفكيرنا.
بلى كان الزمن الذي كان المسيحيّون روّاده جميلًا لأنّهم صنعوه على قياس لبنان الجميل لا على قياس تناحرهم السياسيّ. ولكن أين هم اليوم وهل يصدّرون إلى البلدان العربيّة، خصوصًا مصر، رائدات وروّادًا في الإنتاج السينمائيّ والصحافة والشعر كما فعلوا زمن النهضة؟
سؤال نعرف مع الأسف جوابه.


