السيرة الذاتية دميّة تحرّكها أيدي الآخرين

السيرة الذاتية دميّة تحرّكها أيدي الآخرين

عادت صراحة الممثّلة الفرنسيّة بريجيت باردو إلى الواجهة إثر رحيلها، وهي التي ودّعت الحياة قبل أن تودّع سنة 2025 وبعد أن ودّعت عالم الأضواء لتنصرف إلى العناية بالحيوانات. وكانت نجمة السينما الفرنسية وأيقونتها تثير النقاش في كلّ مرّة تتحدّث عن حياتها الخاصّة، من دون أن توفّر ابنها الوحيد وعشّاقها وأزواجها وأهلها. وهي كانت تعي ذلك ولا تتراجع عنه إيمانًا منها بحقّها الشخصيّ في التعبير عن رأيها بحريّة لا قيد فيها ولا شرط.

تطرح هذه المسألة إشكاليّة كتابة السيرة الذاتيّة، على اعتبار أنّ ما من حياة إلّا وارتبطت بحيوات أخرى، فكيف نفصل بينها؟ وكيف نكتب سيرة حياتنا من دون أن نأتي على ذكر تأثير الآخرين علينا، وتأثيرنا نحن أيضًا على مصائر من تقاطعت دروبنا مع دروبهم؟

فالسيرة الذاتيّة ليست مجرّد مذكّرات أو يوميّات نسرد فيها ما فعلناه وأكثره معروف عند الناس، بل هي عمّا شعرنا به ولم ننقد إليه وبقي طيّ الكتمان. هي غوص في عوالمنا الداخليّة، تلك التي لم تظهر علنًا، وإلّا فما الفائدة من جمع أحداث وأحاديث التقطتها الكاميرات وتداولت تفاصيلها وسائل الإعلام. إنّ الحياة اليوم أضواء كاشفة باهرة، فإن لم تكن السيرة الذاتيّة خارجة من عتمة السرّ وعمق الوجدان في ما يشبه اعترافات بالمحظورات (ميول جنسيّة، عاطفيّة، عائليّة، سياسيّة...) فما الحاجة إليها إلّا إن كان الهدف منها تجاريًّا إعلانيًّا.

 

أذكر في هذا المجال أقصوصة "الجرذون الشتويّ" للأديب توفيق يوسف عوّاد من مجموعته "الصبيّ الأعرج". وفيها يحكي جانبًا من حياة شقيقته في الحرب العالميّة الأولى، وفي حين أنّ أخته نجت من المجاعة ارتأى الكاتب أن يميتها. ولمّا قرأت الشقيقة القصّة غضبت، فكان جوابه: فنيًّا من الأجمل أن تموت بطلة القصّة. فكم من مصائر تغيّرت بحجّة الفنّ ونحن نروي قصص الآخرين، فكيف الحال ونحن نروي سيرتنا الخاصّة؟

يبدو لي أنّ أكثر أصحاب السيَر الذاتيّة أقرب إلى الدمى المتحرّكة، مربوطة أطرافهم ورؤوسهم بحبال ممسوكة بإحكام في إيدي آخرين. حتّى أصواتهم تأتي من حناجر سواهم، وكلماتهم يكتبها غيرهم وإن بدا للقرّاء/ مشاهدي مسرح الدمى أنّ الأمر ليس كذلك. وغالبًا ما تتقاطع الظروف كما تتعقّد الحبال وتشتبك فتنفضح اللعبة ونعرف أنّ السيرة خرجت عن طوع كاتبها أو كاتبتها.

العائلة، الوطن، المجتمع، الحزب، الميول الجنسيّة، الدين، الزواج والخيانة والطلاق، كلّها، وكثير غيرها، عناصر مراقبة تحيط بأصحاب السِير وتجبرهم على التفكير مليًّا قبل الكتابة والنشر. وأكاد أراهم يكتبون ويمزّقون الأوراق، أو يمحون ما طبعته أناملهم على شاشة اللابتوب، مرّات ومرّات، قبل أن يقرّروا ذكر تلك الحادثة أو التعتيم عليها.  

فهذا الكائن الاجتماعيّ الذي يرغب في سرد تفاصيل حياته الخاصّة يعرف، بلا أدنى شكّ، أنّه في مواجهة حتميّة مع شبكة كاملة من العلاقات الحميمة والعائليّة والاجتماعيّة وغيرها. وكم من مرّة قرأنا عن دعاوى رُفعت على مؤلّفين بسبب تطرّقهم إلى حيوات سواهم بحجّة الصراحة والشفافيّة. ولكن هل روى كتبة السير الذاتيّة فعلًا تفاصيل حيواتهم بلا عمليّات تجميل؟ هل كان ميخائيل نعيمة صادقًا في تناوله علاقته بجبران خليل جبران؟ هل استطاع أي كاتب عربيّ أن يفعل ما فعله مثلًا الرئيس فرنسوا ميتران حين كشف النقاب عن خفايا حياته العاطفيّة معلنًا عن وجود ابنة من علاقة حبّ خارج إطار الزواج؟

إذا أخذت سيرتي الشخصيّة كنموذج فسأجد أنّني محكومة بقيود لا حصر لها. فوالداي ليسا والديّ وحدي. فهل يقبل شقيقاي أن أصف أهلي كما أراهما أنا، وهل ترضى شقيقتاي بنقل تأثير والديّ على نشأتي؟ ويصل التساؤل إلى بنات شقيقتي، فهل يقبلن أن أفصح و"أفضح" أسرارنا العائليّة الخاصّة ثمّ هناك زملاء التعلّم والتعليم، وأولاد الجيران وما تركوه من آثار على تكوّن شخصيّتي، وهناك الكنيسة وتبعات التعرّض للمؤسّسات فيها وصولًا إلى ما تركه الفساد فيها من نقمة عندي، أساءت بلا أدني ريب إلى المنحى الروحيّ فيّ. هذا كلّه سهل أمام البوح بالأمور الحميمة والعلاقات العاطفيّة والخيبات التي من الممكن أن تجعل الصراحة وقاحة، والحريّة أذيّة، والنزعة الذاتيّة التحرّريّة سيرة غيريّة تدميريّة. فكيف أكتب سيرتي إذًا والحرب نفسها فرضت عليّ حياة ليس فيها شيء من إرادتي وأحلامي وطموحي؟

ولقد كانت تجربتي في رثاء الراحلين من أنسبائي وأهل بلدتي معبّرة عن هذا الصراع في تقرير اتّجاه النصّ. فكثيرًا ما فوجئت برفض ما اعتبروه فضحًا لعيوب يجب ألّا تُذكر، أو على العكس رأوا فيه نقصًا في المدح والإشادة. وفي حين كانت هذه النصوص تُقابل على مواقع التواصل الاجتماعيّ بكثير من التقدير والتأثّر، كان أهل الفقيد/ة ينقّبون عن ثغرة تسمح لهم باتّهامي بالتدخّل في شؤونهم الخاصّة؛ مع العلم أنّني لم أكتب إلّا عن علاقتي الشخصيّة بهؤلاء الذين صنعوا تاريخ البلدة وأعطوها روحًا وهويّة، وتركوا في مسيرتي وسيرتي بصمة.

لأجل كلّ ذلك، يبدو مجتمعنا غير مؤهّل بعد لكتابة سيَر ذاتيّة صريحة وشفّافة. وخصوصًا إذا أتينا على ذكر الحرب وتداعياتها وأسرار المتقاتلين والزعماء، وكثر من هؤلاء الأخيرين لا يزال على قيد الحياة ولن يرضى بكتابة ما قد يشوّه صورته أمام أتباعه. 

واللافت في موضوع السيرة الذاتيّة أنّها تكاد تغيب عند الفنّانين والفنّانات، مع أنّ جمهور القرّاء سيجد فيها مادّة دسمة، ففيها أسرار ذلك العالم الساحر حيث يختلط الواقع بالخيال، وتتدخّل السياسة، وكلّنا يعلم كيف تتصرّف أجهزة السلطة في البلدان العربيّة مع من يقترب من ملفّاتها. مع العلم أنّ وسائل التواصل الاجتماعيّ تداولت خبرًا عن أنّ فيروز تكتب بنفسها سيرتها الذاتيّة. وبعيدًا من صحّة هذا الكلام أو عدمه، لا شكّ أنّ مجرّد التفكير فيه سيثير زوبعة من الأقاويل في ظلّ الخلافات القائمة مع ورثة سلفها منصور الرحباني، فضلًا عن المآسي التي لاحقتها.   

إذًا في انتظار أن نخلع أقنعتنا عن وجوهنا، قبل خلع ملابسنا، أمامنا وقت طويل كي نفعل ما فعلته بريجيت باردو التي خلعت رداءها أمام الكاميرا ورمت محاذير العيب خلفها ثمّ كتبت سيرتها ومضت غير آبهة بأحد. 

 

 

 

 

اقرأ المزيد من كتابات ماري القصيفي