الحارة القديمة

الحارة القديمة

 أرى نفسي واقفًا عند أبواب الحارة القديمة، ظلّي المتروك هناك منذ الطفولة يناديني، هي تجذبني بكلّ ما فيها، تشدّني حيطانها الرطبة المسكونة بالحياة، الشاهدة على البلدة المتعبة الماشية منذ القدم حاملة على أكتافها ألم السنين، غضب الحاضر والقلق... تأسرني أصوات الأطفال وهي تحتلّ كلّ الأمكنة يخرقها صوت أمّي، وحده لا يتعب. أسمع همس الكلمات المكتوبة بالطبشور على حيطانها الزرق، كلٌ كتب العالم لا تتّسع للقصص التي تحفظها حيطان حارتي، هي كانت نافذتنا إلى العالم نرسم عليها واقعنا وأحلامنا كما أنّها شاهدة على حياتنا بأفراحها وأحزانها، من براءة الطفولة إلى عنف الكبار، كلّ شيء مدوّن ومحفوظ هناك، لا يمّحى، هي صورة عنّا ، مرآة تكشف أعماقنا، تعرّينا وتفتح دفاتر ذاكرتنا وهي تنظر إلينا برفقٍ ... كلّ تلك السنين التي توالت، الليل والنهار، الشمس والقمر، خربشات المطر فوق الأسطح والطرقات، عطر الورد يمشي متخايلًا وهو يعلق في ثيابنا... كلٌ شيءٍ مطبوعٌ هناك، كلّ ما عملته أيدينا وشعرت به قلوبنا، كلّ ما رأته عيوننا وفكّرت به عقولنا موجودٌ هناك... الآن أرى نفسي ماشيًا صوب طفولتي أبحث عن ظلّي، يأسرني النور لحظةً إذ يتسلّل على مهلٍ ويرسم تفاصيلي، يجرّدني من ثقلي ويرفعني نحو بُعدٍ آخر بلون الشمس فوق جبال بلدتي وقت تتوهّج وتخلع عنها ثوب الحزن وتفرح إلى حين، ينزع عنّي كلّ عتمةٍ ويمحو كلّ ظلٍّ فأمشي صوب النور، صوب الجبل الذي يقف صامتًا، متأمّلًا على مرور الأزمنة والأوقات وتتابع الأحداث والذكريات... أنا الخارج من رحمه والآيل إلى ترابه،  جئت إليه حاملًا ذكرياتي وأحلامي المرسومة في دفاتر الطفولة على حيطان الحارة القديمة، علّه يوقف الزمن، في لحظة متوهّجة، وينقذني من التبدّد والزوال.